محمد علي الحسن

210

المنار في علوم القرآن

منشأ التشابه قلنا : إن المتشابه إنما سمي متشابها لاشتباه معناه على السامع الذي قد يكون منشؤه خفاء في اللفظ أو المعنى ، وقد يكون ناشئا عن تركيب الجملة . والخفاء في اللفظ أو المعنى أو التركيب يحدث الاشتباه والالتباس الذي قد يكون منشؤه اللغة ، لتردد اللفظ بين الحقيقة والمجاز والوضوح والإبهام ونحو ذلك . وقد يكون منشأ التشابه عائدا إلى العقل والسمع ، وكل ما من شأنه أن يقطع بأن المراد من هذا التشابه أمر غير ظاهر ، ولهذا فإن المراد من المتشابهات يجب أن يرجع فيه إلى المحكمات التي جعلها اللّه بمنزلة ( الأم ) ، أي : الأصل الواحد الجامع الذي ترد إليه المتشابهات . فقوله : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [ طه : 5 ] . يرجع في فهمه وتفسيره إلى قوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] . وقوله تعالى : وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً [ الإسراء : 16 ] يرجع فيه إلى قوله : قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ [ الأعراف : 28 ] . هذا هو منشأ التشابه وهذه تطبيقات عليه : قلنا : إن التشابه يكون منشؤه خفاء المعنى في اللفظ ، وهذا قد يكون على جهة التساوي ، كقوله تعالى : وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ . . [ البقرة : 228 ] . فإن لفظ قرء يحتمل أن يراد به أحد المعنيين المتضادين : إما الحيض أو الطهر . وقد يكون خفاء المعنى من جهة تركيب الجملة كقوله تعالى : . . أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ . . [ البقرة : 237 ] . يحتمل أن يراد به الزوج أو الولي ، وقوله : . . فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً . . [ النساء : 4 ] . يحتمل الزوج أو الولي أيضا .